مشروطيات فاعلية "المناطق الآمنة" في مناطق الصراعات بالإقليم

  2017 فبراير 25

 

ثمة مصطلحات ومفاهيم دائمًا ما تبرز أثناء السياقات الرمادية في الحروب والنزاعات المسلحة، تُؤشر إلى غياب أي أفق لحلحلة تلك الصراعات، أو التوصل إلى تسوية شاملة بشأنها. ومن تلك المفاهيم مصطلح "المناطق الآمنة"، الذي عاد بقوة إلى واجهة الأخبار والاهتمامات التحليلية، إثر إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" خلال حوار تليفزيوني مع شبكة (ABC) الإخبارية في الخامس والعشرين من يناير 2017 عن "أنه سيسعى لإنشاء مناطق آمنة في سوريا للاجئين السوريين الفارين من العنف في بلادهم التي دمرتها سنوات من الحرب الأهلية".

وفي التاسع والعشرين من يناير الماضي 2017، أوضح بيان للبيت الأبيض أن "ترامب" والعاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" أعربا عن دعمهما لفكرة إنشاء "منطقة آمنة" في كل من سوريا واليمن، في إطار مناقشتهما أفكارًا تتعلق بكيفية مساعدة اللاجئين من متضرري النزاعات المسلحة في المنطقة. كما أعلن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في 13 فبراير الجاري 2017 خلال كلمته بمعهد السلام الدولي في البحرين عن سعيه لإنشاء منطقة آمنة في سوريا.

ومع تصاعد الحديث عن إقامة "مناطق آمنة" في دول الصراعات العربية، نعرض لماهية مفهوم "المناطق آمنة"، وإجراءات إقامتها، والخبرات التاريخية لتنفيذها، ومدى نجاحها وإخفاقها في تحقيق الأهداف المرجوة منها، وأخيرًا مستقبل إقامتها في منطقة الشرق الأوسط، وسبل نجاحها في مناطق الصراعات التي تشهد حروبًا بالوكالة.

 

مفاهيم متقاربة ومحددات إجرائية لازمة

على الرغم من شيوع مفهوم المناطق الآمنة Safe Zones أو Safe Areas، إلا أنه يُعد مفهومًا غير رسمي، على صعيد القانون الدولي، حيث لم يأت ذكره في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، كما لم يرد ذكره في البروتوكولات الملحقة بها لعام 1977، بل تضمنت تلك الاتفاقيات والبروتوكولات مصطلحات أخرى تُعد الأقرب دلاليًّا لمفهوم المناطق الآمنة، أهمها: المناطق الطبية Hospital Zones، والمناطق المحايدة Neutralized Zones، والمناطق منزوعة السلاح Demilitarized Zones.

وتُشير جل هذه المصطلحات إلى جهود تضطلع بها المنظمات الأممية المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين لإنشاء وتسمية مناطق محددة تكون خارج نطاق الاستهداف العسكري والأعمال القتالية لاعتبارات إنسانية تتعلق بحماية المدنيين ممن لا يستطيعون حماية أنفسهم أثناء الحروب والصراعات المسلحة.

وقد استخدم العرف الدولي عددًا من المفاهيم عند الحديث عن مثل هذه الترتيبات وفقًا لخبرة حقبة الحرب الباردة من قبيل: الممرات الهادئة Corridors of Tranquility، والممرات الإنسانية Humanitarian Corridors، والمناطق المحمية Protected Areas، والملاذات الآمنة Safe Havens.

وإجرائيًّا، ثمة تقارب بين مفهومي المناطق الآمنة والمناطق العازلة Buffer Zones، من حيث حاجتهما إلى قرار أممي يصدر عن مجلس الأمن، بيد أن ثمة اختلافًا مفاهيميًّا بين كلا المصطلحين بالنظر إلى أن "المنطقة العازلة" تعني إقامة "منطقة محددة تفصل بين طرفي نزاع تسيطر عليها قوة دولية، هدفها منع استخدام الأسلحة بين الطرفين المتنازعين من خلال خلق مساحة للفصل بينهما، غالبًا ما تكون برية، كما يمكن أن تقترن أيضًا بفرض حظر جوي"، في حين أن "المنطقة الآمنة" لا تهدف إلى الفصل بين أطراف النزاع، لكنها تهدف إلى توفير ملاذ آمن للمدنيين الفارين من أتون الحرب، وتقديم العون والحماية اللازمين لهم إنسانيًّا أثناء فترة الصراع.

وبحسب العرف الدولي، فإن ثمة محددات إجرائية لازمة لإقامة المناطق الآمنة، بعد صدور قرار بشأنها من قبل مجلس الأمن، أبرزها: الاتفاق بين الأطراف المتنازعة على إقامتها، وإزالة الصفة العسكرية عنها بنزع سلاحها وإخراجها من سياق العمليات العسكرية، وإخضاعها كذلك لإدارة مدنية، والتأكيد على عدم دخول أطراف الصراع في أي ترتيبات دفاعية تتعلق بحفظ الأمن داخلها أو على حدودها المسماة، وتوفير حماية عسكرية لها من قبل قوات الأمم المتحدة أو قوات تحالف دولي مكلف من قبلها، وفرض حظر جوي لحمايتها، وتوفير ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين، والمكفولة من قبل الأمم المتحدة، والتي تضطلع أيضًا برسم خريطة لنطاق وحدود المناطق الآمنة.

 

خبرات مختلفة ونتائج متشابهة

تُشير المقاربات التاريخية بشأن فرض مناطق آمنة أثناء الحروب والصراعات المسلحة إلى أنها تتشابه في الهدف منها، والذي يتمثل في توفير التدخل الإنساني من خلال ممرات آمنة لحماية المدنيين المتضررين من الأعمال العدائية بين أطراف الصراع، وذلك عبر قرار أممي يصدر حصرًا عن مجلس الأمن، ودائمًا ما يكون بتوصية من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

ومن أبرز الدول التي شهدت مناطق آمنة خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي دولة العراق بعد انتهاء حرب تحرير الكويت عام 1991، حيث اضطلعت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء منطقة آمنة شمال العراق، لتكون ملاذًا لتمكين نحو 400 ألف كردي تمت إعادتهم من الحدود التركية بعد فرارهم من نظام "صدام حسين" عقب انتفاضة الأكراد (عام 1991) المدعومة غربيًّا آنذاك، وقد تولت منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المعنية مسئولية مساعدة هؤلاء اللاجئين إنسانيًّا خلال تلك الفترة.

في حرب البوسنة والهرسك، أصدر مجلس الأمن الدولي عام 1993 قرارًا بإنشاء عدد من المناطق الآمنة لحماية المدنيين البوسنيين من هجمات القوات الصربية. وفي العام ذاته بدأت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في إقامة عدد من المناطق الآمنة في سيريلانكا لحماية المدنيين أثناء القتال الدائر بين المتمردين والقوات الحكومية. وبعدها أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا في عام 1994 بإقامة مناطق آمنة في رواندا خلال الحرب الأهلية بين عرقيتي الهوتو والتوتسي.

وأفرزت الخبرات السابقة نتائج متشابهة إلى حد كبير، معظمها سلبي بامتياز باستثناء خبرة المنطقة الآمنة في شمال العراق؛ حيث لم تنجح أي من الخبرات السابقة في تحقيق أهدافها المرجوة، سواء على الصعيد الإنساني أو على الصعيد الأمني، بل إن بعضها قد أدى إلى نتائج كارثية، كانت أشبه بمهمة تسهيل عملية قتل المدنيين من قبل أطراف الصراع.

وارتبط نجاح المنطقة الآمنة في شمال العراق بوجود قوات كردية احترافية وشبه نظامية (قوات البشمركة) أسهمت بشكل كبير في دحر القوات الحكومة العراقية عن إقليم كردستان العراق. لكن تلك الخبرة لم تتكرر ثانية حتى على الصعيد العراقي ذاته عند محاولة مشابهة لفرض منطقة آمنة للشيعة في جنوب العراق في أعقاب حرب تحرير دولة الكويت بسبب عدم وجود القوة العسكرية اللازمة لذلك، الأمر الذي سمح للنظام العراقي بمهاجمة المنطقة التي أضحت مسمى بلا مضمون.

أما في البوسنة والهرسك، فإن ثمة ثغرات إجرائية لدى عملية فرض مناطق آمنة لحماية المدنيين البوسنيين، حيث خلا قرار مجلس الأمن الدولي من ترسيم الحدود الجغرافية لهذه المناطق الآمنة، والتي كان عددها ست مناطق، كما لم يضطلع المجلس بتوفير الحماية العسكرية اللازمة لتلك المناطق، ربما بسبب معارضة البوسنيين دخول قوات دولية لحمايتهم، الأمر الذي قاد إلى وقوع مجازر بشرية وجرائم حرب طالت آلاف المدنيين؛ حيث وقفت القوات الدولية موقف المتفرج وهي ترى القوات الصربية تحتل المناطق الآمنة في: سراييفو، وسربرنيتسا، وزيبا، وتوزلا، وبيهاتش، وترتكب فيها جرائمها المروعة.

ولم يختلف الحال كثيرًا في سيريلانكا، فمنذ عام 1993 وحتى عام 2009، فشلت جميع قرارات الأمم المتحدة في فرض مناطق آمنة لحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية لهم، بسبب انتهاكات الحكومة السيريلانكية المستمرة، ومواصلتها قصف هذه المناطق بدعوى أنها تُستخدم كواجهة ومنطلق لهجمات قوات المتمردين على القوات النظامية.

تأتي الخبرة الرواندية -أيضًا- متسقة مع الخبرات المخيبة للآمال لاستراتيجية المناطق الآمنة؛ حيث خلا قرار مجلس الأمن الدولي من إلزام أيٍّ من الدول المعنية بوقف القتال الأهلي في البلاد من الاضطلاع بمهمة حماية المناطق الآمنة التي تم فرضها.

وقد حاولت فرنسا، بتفويض دولي، الاضطلاع بمهمة حماية المناطق الآمنة في رواندا منذ عام 1995، لمنع المزيد من أعمال القتل في تلك المناطق التي كانت تغطي نحو 20% من البلاد، إلا أن أعمال التطهير العرقي تزايدت وتيرتها. كما أن القوات الفرنسية لم تكن كافية كذلك من الناحية العددية، بل إن المناطق الآمنة ذاتها باتت منطلقًا لتلك الجرائم، وحينما انسحبت القوات الفرنسية، اجتاحت القوات الحكومية تلك المناطق، وارتكبت أعمال عنف دامية، ما دفع آلاف اللاجئين إلى الهرب باتجاه الكونغو المجاورة.

 

مستقبل المناطق الآمنة بالإقليم

إذا كانت المناطق الآمنة بهذا الالتباس والضبابية مفاهيميًّا، وبتلك الخبرات السلبية في مجملها تطبيقيًّا؛ فإن الحديث عن جدواها كإطار للتعاطي مع الصراعات الجديدة التي تتسم بأنماط وسياقات مغايرة لما كانت عليه طبيعة الحروب والنزاعات المسلحة خلال القرن الماضي؛ يبدو معضلة حقيقية، الأمر الذي يُلقي بظلال من الشك على مستقبل آلية المناطق الآمنة في البؤر الصراعية الملتهبة على اتساع خريطتها الجغرافية.

وانطلاقًا من أن الخبرات التاريخية لإقامة المناطق الآمنة قد أفضت إلى حقيقة مفادها أن "المناطق الآمنة نادرًا ما تكون آمنة"، فإن مستقبل آلية المناطق الآمنة في إدارة الصراعات المسلحة بالمنطقة يبقى مرهونًا بعدد من المحددات اللازمة، والتي تتمثل في: وجود رغبة حقيقية لدى القوى الدولية والإقليمية الرئيسية ذات التأثير المباشر في صراعات المنطقة، وإلى جانب تلك الرغبة لا بد من وجود توافق دولي/إقليمي حقيقي بشأن الإجراءات اللازمة لحماية اللاجئين والمدنيين الفارين من ويلات الصراعات المسلحة. وتبقى المعضلة الأخيرة في مدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على ضبط إيقاع التنظيمات المسلحة المتورطة في تلك الصراعات، وإلزامها باحترام الترتيبات الإنسانية والأمنية المتخذة بهذا الشأن.

لقد أثبتت الخبرات التطبيقية لآلية المناطق الآمنة، أن أي قرارات غير توافقية تؤسس لفرض ملاذات آمنة للمدنيين مع غياب سلطة نافذة معترف بها في منطقة الصراع جاءت نتائجها في النهاية ذات عواقب وخيمة. وحينما يكون البلد محل نزاع وغير آمن في مجمله؛ فإن الحاجة إلى وجود عسكري قوي لتحقيق الحماية اللازمة للمناطق الآمنة تبقى ضرورة لازمة، كما أنه من دون الالتزام بضمانات القانون الدولي الإنساني كاملة، بما في ذلك موافقة الحكومة والأطراف المتحاربة، وكون المنطقة ذات طابع مدني؛ فإن ضمان سلامة المدنيين فيها بشكل حقيقي سيكون من الصعوبة بمكان.

وأخيرًا، فإن استراتيجية المناطق الآمنة، إقليميًّا، ربما لن تكون ذات جدوى، لا حاضرًا ولا مستقبلاً، بدون التعاطي مع جذور الحروب والصراعات في المنطقة، والذي لا يزال غائبًا، ولمّا يأت بعد، وربما لن يأتي على المستوى المنظور، طالما بقي قرار إشعال تلك الحروب والنزاعات المسلحة بيد قوى كامنة، هي الحواضن الإقليمية للعنف، والتي تشكل المحفز الرئيسي للصراعات الراهنة في المنطقة.

 

نقلاً عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمةمصطفى شفيق علام، الرابط الأصلي

مركز أسبار للدراسات والبحوث | المرصد السياسي

 

  
اقرأ المزيد من مقالات رأي