هل تحل الأستانا محل جنيف في عملية السلام السورية؟

  2017 يناير 22

 

في 23 كانون الثاني/ يناير، تستضيف الأستانا، عاصمة كازاخستان، مؤتمراً حول سوريا برعاية روسيا وإيران وتركيا. ويشير موعد الاجتماع ومكانه ولائحة المدعوين إليه فضلاً عن سياقه الجيوسياسي إلى تغييرات جذرية محتملة في الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب، الأمر الذي يرغم واشنطن على الأرجح على اتخاذ قرارات ملحة وعاجلة بشأن موقعها على طاولة الحوار.

من سيكون هناك؟

وُجهت الدعوة إلى عدة دول عربية للمشاركة في اجتماع أستانا، وهي: الأردن، لبنان، قطر، المملكة العربية السعودية، مصر والعراق. وأعلنت الصين أيضاً مشاركتها. وكذلك تمّ إرسال دعوة من نوع ما إلى الولايات المتحدة - ولكن مباشرة إلى فريق الرئيس دونالد ترامب، وليس إلى المسؤولين في وزارة الخارجية في إدارة أوباما.

أما بالنسبة إلى الجهات الفاعلة السورية، فسيقوم سفير نظام الأسد لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري بتمثيل دمشق. وسيجلس ممثلو فصائل المعارضة السورية المسلحة في الجانب الآخر من الطاولة برئاسة محمد علوش، قائد «جيش الإسلام» الموالي للسعودية. ولن يشارك "الائتلاف الوطني السوري" - فصيل المعارضة السياسية ومقره تركيا الذي يحظى باعتراف واسع النطاق في الخارج لكن يتم تجاهله من قبل النظام - في المؤتمر. كما لم تتلق جهات فاعلة محلية أخرى دعوات للمشاركة فيه: فقد حرصت أنقرة على استثناء «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي في حين أنه لم يتم أساساً النظر في احتمال دعوة جبهة فتح الشام – النصرة وتنظيم «الدولة الإسلامية».

توقيت متعمّد

يكتسي اختيار موعد بدء المفاوضات أهمية كبرى. فبعد ثلاثة أيام من تنصيب ترامب يعتزم الرئيس بوتين بدء فصل جديد في سوريا ما بعد أوباما بموجب شروطه الخاصة، عبر مواجهة الإدارة الأمريكية الجديدة بالأمر الواقع المتمثل بانتصار النظام السوري في حلب. وعلى الصعيد الدبلوماسي، يهدد التحالف الجديد بين تركيا وروسيا وإيران بتهميش الجهات الفاعلة الخارجية الأخرى. ويبدأ مؤتمر الأستانا قبل الحوار الدولي التالي في جنيف المقرر إجراؤه في 8 شباط/ فبراير، والذي من المرجح أن يحاول "الائتلاف الوطني السوري" تفادي تقلص نفوذه ميدانياً.

ويُعتبر اجتماع 23 كانون الثاني/ يناير تتويجاً لمبادرة غير واعدة في البداية أطلقتها كازاخستان في ربيع عام 2015. ففي أيار/ مايو من ذلك العام، اجتمع العديد من الجهات الفاعلة السورية التي مالت نحو روسيا لكنها لم تحظَ بتأييد شعبي في بلدها، في الأستانا بناء على دعوة من الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، وهو صديق مقرّب لبوتين. وبعد هذه الانطلاقة الخجولة، نظم نزارباييف "لجنة من الرجال الحكماء" للإشراف على "مبادرة الأستانا"، شملت المدير العام السابق لـ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" محمد البرادعي، ووزير الخارجية الفرنسي السابق برنارد كوشنير، والرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز. غير أن هذه المجموعة التقت مرة واحدة فقط في أيلول/ سبتمبر 2015.

وفي غضون ذلك، أقام بوتين تحالفه الخاص من جماعات المعارضة السياسية السورية لمنافسة "الائتلاف الوطني السوري". وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2015، عقدت "معارضة موسكو" هذه اجتماعاً آخر في الأستانا ليس بهدف صياغة مطالبها من دمشق بقدر هدف التحضير لإضعاف "الائتلاف الوطني السوري" خلال الجولة الثالثة من محادثات جنيف التي أجريت في أوائل عام 2016.

جنيف الجديدة في وسط أوراسيا

إلى جانب الانعكاسات الدبلوماسية المباشرة، يعدّ اختيار الأستانا تناقضاً رمزياً صارخاً مع جنيف. ففي أيلول/سبتمبر 1920 - أي بعد خمسة أشهر على قيام المفاوضين في عاصمة العالم القديم جنيف بمنح فرنسا وبريطانيا حق الانتداب التاريخي على دول الشرق الأدنى- نظّمت روسيا السوفياتية "المؤتمر الأول لشعوب الشرق" في باكو، أذربيجان، بهدف محاربة الإمبريالية الغربية وتوسيع رقعة نفوذ موسكو. وعلى غرار باكو في عام 1920، تشكّل الأستانا الحديثة مفترق طرق بين روسيا والشرق التي ازدهرت بشكل ملحوظ بفضل الموارد الهيدروكربونية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما إذا كان بوتين سيعود إلى أهداف الاتحاد السوفياتي القديمة القائمة على نشر النفوذ الروسي واستثناء الغرب من الشرق الأوسط.

وفيما يتخطى الدلالة الرمزية لاختيار الأستانا، بقيت هذه الجمهورية السوفياتية السابقة حليفاً مقرباً عموماً من موسكو وأقامت في الوقت نفسه علاقات جيدة مع دول غربية وإيران. فاختزانها ثروات من النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم يمنحها الوسيلة والقدرة على استضافة مؤتمرات دولية في قصور ضخمة مخصصة لهذه الغاية. ويبدو أن هذا المنحى الدولي الجديد يخضع حرفياً للأنابيب التي تمتد خارج أراضيها نحو الشرق والغرب، وللسكة الحديدية الأوراسية المخطط إنشاؤها والممولة من الصين التي ستعيد تأهيل "طريق الحرير" القديم. وتُعتبر تركيا واحدة من العديد من الجهات الفاعلة الحريصة على أن تصبح صلة وصل في هذا المحور العابر للقارات وسط ترقّب بروز فرص تجارية كبرى.

الاتفاقات العسكرية تأخذ الأولوية على السياسة

بطبيعة الحال إن الهدف من اجتماع الأستانا هو إيجاد حل للحرب الدائرة في سوريا. لكن بخلاف ما حصل في جنيف، حيث أصرّ الغربيون على أن يكون الحل سياسياً وليس عسكرياً، يجمع رعاة اجتماع الأستانا الثلاثة الجماعات المسلحة معاً من أجل التوصل الى اتفاق عسكري يسفر عن توافق سياسي. لهذا السبب، لم تتمّ دعوة المعارضة السياسية - فموسكو تريد تفادي إحراج نفسها بقرارات فارغة كتلك التي تمّ التوصل إليها خلال مؤتمرات سابقة برعاية غربية. 

وفي بديل آخر عن محادثات جنيف العام الماضي، ستكون الألوية الرئيسية للمتمردين غير الجهاديين ممثلة في الأستانا. وقد استغرق إقناعها بحضور الاجتماع إجراء مفاوضات تمهيدية دامت خمسة أيام في أنقرة، غير أنه لم يكن أمامها الكثير من الخيارات نظراً إلى الضغوط التركية والروسية المتزايدة. ولم يكن رفض حركة «أحرار الشام» السلفية البارزة، للمشاركة في الاجتماع مفاجئاً، تماماً كما تغيّبت عن جولة محادثات جنيف الأخيرة. ولا تزال الحركة تتخبط في جدل داخلي بين المتطرفين الذين يريدون الاندماج مع «جبهة فتح الشام» وغيرهم ممن يرغبون في الانضمام إلى المفاوضات؛ ولغاية الآن، يبدو أن الفريق الأول هو السائد.    

عدم الثقة بين موسكو وأنقرة

تساعد تركيا على تمويل «أحرار الشام» وربما سعت جاهدة من أجل مشاركة الجماعة في الاجتماع. بيد، قد تكون أنقرة بصدد محاولة الحفاظ على الحركة باعتبارها الورقة الرابحة في حال سارت عملية الأستانا على نحو سيئ أو انهار الحلف التركي-الروسي المؤقت - تماماً كما دافعت موسكو عن «حزب الاتحاد الديمقراطي» كأداة ضد أنقرة. إن انسياق تركيا الأخير نحو روسيا ليس سوى نتيجة توسّع الحزب الذي تدعمه الولايات المتحدة شمالي سوريا، لذلك تَعتبر موسكو الجماعة الكردية أكثر فائدة وهي نصف حية من كونها ميتة. بعبارة أخرى، إن التحالف الروسي – التركي في سوريا ليس استراتيجياً بل تكتيكياً.

والآن بعد سقوط حلب، تحوّل تركيز هذه التوترات باتجاه شمال شرق مدينة الباب. وتحمّل تركيا الولايات المتحدة مسؤولية التأخير في حملة السيطرة على الباب، مشيرةً إلى رفض واشنطن توفير دعم جوي. وفي المقابل، سارع بوتين إلى ضرب أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» حول المدينة خلال الأيام القليلة الماضية، محققاً نجاحاً على صعيد الاتفاق الروسي – التركي المبرم في 12 كانون الثاني/ يناير بشأن التعاون ضد الجماعات الجهادية المتطرفة. ولكن في الوقت الحالي، كل ما أسفر عنه القصف الروسي هو السماح لجيش النظام السوري بالتقدّم جنوبي الباب وتأمين قاعدة كويرس الجوية الاستراتيجية؛ ولم يفعل شيئاً يذكر لدعم الجيش التركي مباشرة في تقدّمه نحو المدينة.

 

سلام بوساطة روسيا مقارنة بآخر في الشيشان

يندرج وقف إطلاق النار السوري الحالي أيضاً ضمن الفئة "التكتيكية وليس الاستراتيجية"، مما يسمح للنظام بتعزيز المكاسب التي يحقّقها على صعيد السيطرة على الأراضي وزيادة الانشقاق في صفوف المعارضة. ومن هذا المنطلق، قد يكون من السابق لأوانه السعي إلى إجراء مفاوضات سلام جادة في الأستانا. ومن المرجّح إلى حدّ أكبر أن تحاول روسيا استخدام الاجتماع لوضع فصائل المعارضة المسلحة أمام خيار واضح وصريح: إما الاندماج أو الدمار. فأولئك الذين ينتقون الخيار الأول سيتمّ دمجهم في الهيكلية السياسية لنظام الأسد وسيحظون بفرصة الاستفادة من الأموال والسلطة التي اكتسبها هذا النظام خلال الحرب. أما أولئك الذين يستمرون في المقاومة، فسيتم تدميرهم بالقوة، في نسخة مطابقة للمنهجية التي استخدمتها روسيا في الشيشان.      

الخيار الصعب لترامب

رسمياً، إن الهدف من اجتماع الأستانا هو أن يكون مكملاً لعملية جنيف وليس بديلاً لها. لكن في النهاية، قد يتوجب على الفرقاء تفضيل عملية واحدة على الأخرى اعتماداً على من يملك معظم النفوذ في ساحة المعركة. وفي ظل هذه الظروف، هل للولايات المتحدة مصلحة في المشاركة في مؤتمر الأستانا؟ يقيناً، إن إدارة ترامب قد تولّت مهامها للتو، وأن مؤتمر جنيف المقبل سيبدأ يوم الإثنين، كما أن الوضع الرسمي لدعوة واشنطن ما يزال غير واضح المعالم، لذلك هناك أسباب تدعو المسؤولين الأمريكيين إلى عدم حضور الاجتماع نظرياً. ومع ذلك، نادراً ما تكون مقاربة المقعد الخالي فعالة، كما أن كل من وقف إطلاق النار ومؤتمر الأستانا كان موضوع قرار تمّت الموافقة عليه بالإجماع في مجلس الأمن الدولي، وبالتالي فإن مقاطعة الاجتماع قد تحمل ضرراً أكثر من الفوائد(*).

والسؤال إذن ما هو الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الولايات المتحدة في الأستانا؟ إن الخيارات ليست جيدة. لكن العجز عن التصرف قد يُعتبر بمثابة إذعان لخطة روسيا ومؤشر على أن إدارة ترامب ستقلّص وبقدر أكبر دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.  

 

(*) ملاحظة: [عند انتهاء كتابة هذه السطور، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت السبت أن إدارة الرئيس ترامب قررت عدم إرسال وفد أمريكي إلى كازاخستان لإجراء محادثات حول الحرب في سوريا، على الرغم من تلقيها دعوة رسمية من الحكومة الكازاخستانية بدعم من روسيا وتركيا. وبدلاً من ذلك، فإن السفير الأمريكي في كازاخستان سوف يمثل الولايات المتحدة في اجتماع الأستانا].

نقلاً عن معهد واشنطن – فابريس بالونش، الرابط الأصلي 

مركز أسبار للدراسات والبحوث | المرصد السياسي

 

  
اقرأ المزيد من مقالات رأي